logo-black

المصالحة بين الكورتين: الآثار الدولية والإقليمية

المصالحة بين الكورتين: الآثار الدولية والإقليمية

شهدت الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية عدداً من التطورات الهامة التي وجب أن نتوقف عندها قليلاً، لفهم ما يحدث في تلك المنطقة الحيوية من العالم، وفي هذا الإطار فإننا سنتناول جذور الأزمة بين الكورتين وطبيعة العلاقة بين كوريا الشمالية والفواعل الدولية كروسيا، والإقليمية كالصين واليابان والهند، ثم سننتقل إلى تحليل الوضع الحالي وأثره على العلاقات الإقليمية في المنطقة.

أولاً: جذور الأزمة بين الكوريتين:

  • منذ 1910- 1948:

احتلت اليابان الجزيرة شبه الكورية وسيطرت عليها مرات عدة، أولها كان في الفترة 1592-1598 وفي أثناء هذا العدوان تم تدمير البلاد وإحالتها إلى صحراء، ثم تبعه العدوان المنشوري في الفترة ما بين 1627-1637، وأيضاً تم تدمير كوريا كلياً، ثم وقعت تحت الاحتلال الياباني مرة ثانية عام 1910م

وفي عام 1919 حدثت ثورة ضد اليابانيين وتعاظمت، وسميت انتفاضة الشعب وذلك إثر انتصار الثورة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي 1917، ثم نمت حركة العمال وأُسست النقابات؛ وبالتالي ازداد النضال ضد اليابانيين عام 1931، لكن الاحتلال الياباني استمر حتى الحرب العالمية الثانية، حينها وقعت كوريا مرة أخرى تحت نوع آخر من الاحتلال من جراء الحرب العالمية الثانية، حيث انتصرت القوات الأمريكية على القوات اليابانية ودخلت كوريا عام 1938، ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية حصلت على استقلالها عام 1945 بوساطة الجيش الأحمر، وذلك بعد استسلام اليابان.

  • فترة الحرب الباردة:

كان الاتحاد السوفيتي قد أعلن الحرب على اليابان في أغسطس 1945م بعد أن توصلت الى اتفاق بهذا الشأن مع الولايات المتحدة، ونجح في تحرير كوريا الى حد خط العرض 38.

وبعد الحرب العالمية الثانية كان على الأمريكيين والسوفييت الاتفاق على التصرف بممتلكات تلك الامبراطورية المدحورة.

وفي أغسطس 1945م، عمد موظفان صغيران في وزارة الخارجية الأمريكية الى تقسيم شبه الجزيرة الكورية متخذين من خط العرض الـ 38 اساسا لذلك. واحتل السوفييت المنطقة الواقعة الى شمال هذا الخط، بينما احتل الأمريكيون المنطقة الواقعة الى جنوبه. ومن هنا عمل كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على تأسيس نظام يكون حليفهم في تلك المنطقة كتعبير عن نفوذ كلاً منهما، وبنهاية عقد الاربعينيات، كانت دولتان قد نشأتا في شبه الجزيرة الكورية، ففي الجنوب، كان الديكتاتور المعادي للشيوعية سينغمان ري يتمتع بدعم أمريكي، بينما في الشمال كان الديكتاتور كيم إيل سونغ يحظى بمساندة السوفييت القوية. ولكن لم يكن أي من الزعيمين راضيا بالبقاء في جانبه من خط العرض 38، إذ كانا يعتبران نفسيهما الممثل الشرعي لكامل كوريا، ولذا كثرت الاشتباكات الحدودية بين الطرفين واصبحت أمرا دارجا. قتل نحو 10 آلاف من العسكريين الجنوبيين والشماليين في هذه المناوشات حتى قبل اندلاع الحرب بشكل رسمي. مع ذلك، فاجأ الغزو الكوري الشمالي للجنوب المسؤولين الأمريكيين الذين كانوا يعتقدون أن النزاع ليس مجرد نزاع حدودي بين نظامين ديكتاتوريين غير مستقرين في منطقة نائية من العالم، بل كان الكثير منهم يخشون من أنه يمثل الخطوة الأولى من حملة شيوعية تهدف الى الهيمنة على العالم. ولذا، فالامتناع عن التدخل في الحرب لم يكن واردا بالنسبة للكثيرين من صناع القرار الامريكيين آنذاك.

وفي الـ 25 من يونيو 1950، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارا اعتبر بموجبه التدخل الكوري الشمالي غزوا ودعا الى وقف فوري لإطلاق النار.

وفي الـ 27 من الشهر نفسه، أصدر مجلس الأمن قراره 83 الذي قرر فيه ارسال قوات دولية الى كوريا. هبت 21 من الدول الاعضاء في المنظمة الدولية (الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وتركيا واستراليا واثيوبيا والفلبين ونيوزيلندا وتايلاند واليونان وفرنسا وكولومبيا وبلجيكا وجنوب افريقيا وهولندا ولوكسمبورغ) وساهمت في هذه القوات "الأممية"، التي شكلت القوات الأمريكية 88 % من قوامها. كان الرئيس الأمريكي الديمقراطي آنذاك هاري ترومان قد قال: "إذا خذلنا كوريا، سيواصل السوفييت تقدمهم وسيبتلعون البلد إثر الآخر." كان الصراع في شبه الجزيرة الكورية بالنسبة للأمريكيين رمزا للصراع بين الشرق والغرب، وبين "الخير والشر." ولذا، وبينما كان الجيش الكوري الشمالي يحتل العاصمة الجنوبية سول، أعدت الولايات المتحدة قواتها لحرب ضد الشيوعية بحد ذاتها.

كانت الحرب قد استمرت وتحولت من حرب دفاعية إلى هجومية تستهدف انهاء كوريا الشمالية تماماً، إلا أن تدخل قوات الصين الشعبية قد أدى إلى انسحاب القوات الأممية، ولاحقاً دخلت الولايات المتحدة في مفاوضات للسلام جرت في قرية بانمونجوم الحدودية بين الكوريتين، ولكن أخيرا، وبعد أكثر من سنتين من المفاوضات وقعت الأطراف المتحاربة على اتفاق للهدنة في الـ 27 من يوليو 1953 سمح للأسرى بالتوجه الى البلد الذي يرغبون، ومنح كوريا الجنوبية مساحة أرض اضافية تبلغ مساحتها 1500 ميل مربع قرب خط العرض 38 وشكّل "منطقة منزوعة السلاح" يبلغ عرضها ميلان ما زالت موجودة اليوم.[1] [2] [3]

ثانياً: العلاقات الدولية والإقليمية لكوريا الشمالية:

  • العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية:

كما أوضحنا سابقاً كان الاتحاد السوفيتي هو السبب الرئيسي في ظهور كوريا الشمالية ما بعد الحرب العالمية الثانية عند خط 38، وكانت العلاقات بين الدولتين علاقات استراتيجية باعتبار أن كوريا الشمالية أحد النظم الشيوعية المقابلة لنظام ليبرالي مدعوم من الولايات المتحدة وهو نظام كوريا الجنوبية ما جعل كوريا الشمالية أحد حلفاء الاتحاد السوفيتي.

مع تفكك الاتحاد السوفيتي وقيام روسيا الاتحادية التي أصبحت هي الوريث الشرعي للاتحاد السوفيتي السابق في عهد يوري يلسن تدهورت العلاقات مع كوريا الشمالية في مقابل تحسنها مع كوريا الجنوبية، إلا أنه مع وصول بوتن إلى السلطة أصبحت العلاقات بين كوريا الشمالية وروسيا يحكمها المصالح القومية للدولتين، فكوريا الشمالية يمهما بقاء النظام على قيد الحياة والاحتفاظ بعلاقات جيدة مع روسيا والصين لتقفا في وجه الولايات المتحدة ورغبتها في اسقاط النظام الكوري الشمالي، أما روسيا فيهمها استقرار شبه الجزيرة الكورية نظراً لقربها من المراكز السكانية الرئيسية في الشرق الاقصى  الروسي ولهذا عدم الاستقرار هناك لابد أن يهدد المصالح الاقتصادية الروسية، وكذلك روسيا ملتزمة بمبدأ خلو كوريا الشمالية من السلاح النووي لأن أى استخدام للأسلحة النووية هناك يؤدى الى تلوث يهدد مناطق لروسيا والى جانب أى صراع هناك يؤدى الى تدفق من اللاجئين عبر الحدود الروسية ولهذا فإن روسيا تؤيد الحاجة لمنع كوريا الشمالية من تطوير أى سلاح نووي.

ورغم المحاولات التي كانت تبذلها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، لحشد التأييد السياسي والعسكري ضد كوريا الشمالية، حيث بات ملف بيونج يانج القضية الشاغلة للرئيس الأمريكي في المحافل الدولية واللقاءات السياسية، حتى إنه بدأ يتخذ مسارًا تحريضيًّا لتوريط روسيا في نزاع سياسي أو عسكري مع كوريا الشمالية، أو على الأقل لجذب موسكو لصف أمريكا في تشديد العقوبات على بيونج يانج.

على عكس الطموحات الأمريكية، أظهر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لهجة ودية في الحديث عن كوريا الشمالية، ففي الوقت الذي أكد فيه أن التجارب النووية والصاروخية في كوريا الشمالية مرفوضة، دعا إلى التحدث مع بيونج يانج بطريقة التفاوض والكف عن تهديدها وتخويفها والبحث عن سبل سلمية لتسوية القضية، وأكد بوتين أن آخر تجربة صاروخية كورية شمالية، والتي أطلقت فيها بوينج يانج صاروخًا باليستيًّا عابرًا للقارات، لم تشكل خطرًا على الأراضي الروسية.

كما ربط بوتين التجارب الصاروخية الكورية بسباق التسليح العالمي والأحداث الأخيرة في العالم، في إشارة إلى تحميل أمريكا مسؤولية الأمر، حيث قال: ندرك أن ما شهدناه في العالم مؤخرًا، وتحديدًا الانتهاكات الفظة للقانون الدولي، والتوغل في أراضي دول أخرى، وتغيير الأنظمة الدولية، قد دفع بيونج يانج إلى سباق التسلح هذا.

ومن هنا فإن العلاقات الروسية الكورية الشمالية تتميز بالودية على عكس علاقات كوريا الشمالية مع أمريكا، حيث تلعب موسكو في قضية كوريا الشمالية دور الوسيط ، أو المنحاز بدرجة ما إلى كوريا الشمالية، لكنه انحياز لا يرقى إلى تحالف عسكري، ويمكن الاستدلال على ذلك بالعديد من المؤشرات، ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تصعّد لهجتها في وجه بيونج يانج الشهر الماضي، دخلت موسكو على خط الوساطة بينهما لتهدئة التوترات وتجنب نشوب نزاعات، حيث أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، حينها استعداد بلاده للوساطة بينهما، وقال إن موسكو تأمل ألَّا تقوم واشنطن بخطوات أحادية الجانب حيال كوريا الشمالية كما فعلت في سوريا وأخيرا بشأن التقارب الاخير بين الكوريتين واتفاقهما على نزع السلاح  بين البلدين يبدو أن روسيا عموما تسير في هذا الخط بل وترغب في هذا التقارب لأنه يتوافق من المصالح الروسية في الاساس.[4]

  • العلاقات بين الهند وكوريا الشمالية:

تتبادل الهند وكوريا الشمالية المكاتب الدبلوماسية، لكن نيودلهي حظرت في بعض الفترات التجارة في معظم البضائع مع بيونغ يانغ باستثناء بعض الأغذية أو الأدوية وحاولت أن تجعل التجارة بين البلدين في أضيق حدودها نتيجة لضغوط أمريكية، فبينما تزيد واشنطن الضغوط العالمية لعزل بيونغ يانغ بسبب برامجها النووية والصاروخية تمسكت الهند بالإبقاء على سفارتها في كوريا الشمالية حتى تظل هناك قنوات اتصال مفتوحة كما أن الإبقاء على شكل من أشكال الوجود الدبلوماسي أمر ضروري[5] وفى ذات السياق ألفت الهند واليابان والولايات المتحدة لجنة مشتركة للتحقيق في مدى مساهمة باكستان في إنتاج كوريا الشمالية قنبلتها النووية. ويعتقدون في الهند أن تأزم الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية هو فرصة جيدة لتصفية الحسابات مع خصومها القدامى لاسيما باكستان[6] حيث ازدهرت العلاقات الباكستانية-الكورية الشمالية في تسعينيات القرن الماضي في عهد بينظير بهوتو، التي زارت بيونغ يانغ عام 1993 ولكن وشكليا، انتهى التعاون بين باكستان وكوريا الشمالية عام 2002، بعد أن عرض المحققون الأمريكيون ما يؤكد تسرب التكنولوجيا النووية إلى خارج باكستان. حينها قرر الرئيس الباكستاني نواز شريف عدم إثارة الولايات المتحدة وتراجعت العلاقة بين البلدين ورسميا، انضمت باكستان إلى العقوبات، التي فرضتها الأمم المتحدة على كوريا الشمالية عام 2010، وأوقفت جميع الرحلات البحرية المنتظمة منها وإليها. غير أن الشركات الباكستانية لا تزال تقوم بهذه الرحلات وترسو في موانئ كوريا الشمالية تحت أعلام دول أخرى.

أما عن الوضع الحالي، فإن كل من كوريا الشمالية والهند عازمتين على تحقيق تغيير كبير في علاقاتهما، ولكنه تحرك مدروس جيداً، فرغم أن التجارة بين الهند وكوريا الشمالية متواضعة وفي صالح الهند، فإن كوريا الشمالية بلد غني بالثروة المعدنية والهند مستورد كبير للمعادن. ومع القيود المفروضة على كوريا الشمالية لدخول الشبكات المالية الدولية، تستطيع نيودلهي مقايضة بضائعها بمعادن كوريا الشمالية. ومازالت الصين هي اللاعب الرئيسي في سوق المعادن الكورية الشمالية، كما أنها تعزز علاقاتها التاريخية الخاصة مع بيونج يانج للاستثمار في البلاد.

ويتعين على الهند أن تنتبه إلى أن تطوير علاقاتها مع كوريا الشمالية قد يكون ذا قيمة لأسباب اقتصادية، لكنه مكلف دبلوماسياً. فتطوير العلاقات يستتبع تخفيف حدة الخطاب الهندي بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية. وشهدت الهند تطوراً كبيراً في علاقاتها مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان في العقد الماضي. وكل هذه الدول تعامل كوريا الشمالية باعتبارها دولة مارقة.

وفي ظل النهج الحيوي الجديد الذي يتبناه رئيس الوزراء ناريندرا مودي حالياً بشأن سياسة «النظر شرقاً» أو «العمل شرقاً»، هناك أسباب أخرى تدفع الهند لتفادى تعويض علاقاتها الأخرى بمنح بيونج يانج المزيد من الاهتمام الدبلوماسي الذي تستحقه؛ فهناك دول آسيوية أخرى تتعامل بشكل «طبيعي» مع كوريا الشمالية، دون أن تواجه العزلة أو التعرض لرقابة دولية، مثل اندونيسيا ومنغوليا. لكن الهند تتطلع للقيادة العالمية باعتبارها دولة مسؤولة صاحبة مصالح دولية. وحتى الآن فإن سياسة الهند واضحة بشأن الشراكة الناشئة في آسيا والمحيط الهادئ، خاصة مع اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية ودول آسيان. وتطوير العلاقات مع كوريا الشمالية قد يكون تجلياً لسياسة حكومة مودي الخاصة بالعمل شرقاً، لكنه لا يتفق مع النهج الإقليمي الأوسع نطاقاً لنيودلهي[7].

ومن ثم فإن خلاصة القول في العلاقات الكورية الهندية هو عمق العلاقات بين الهند وكوريا الجنوبية ومدى الصداقة والعمل على تعزيز العلاقة بين البلدين، في الوقت الذي تكون فيه علاقات الهند مع كوريا الشمالية في أضيق الحدود نظرا لتعاون كوريا الشمالية مع باكستان عدو الهند التقليدي ولكن في الفترة الأخيرة شهدت انفراجه أو الرغبة في تحسين وتعزيز العلاقة مع كوريا الشمالية.

  • العلاقات بين كوريا الشمالية واليابان:

كانت العلاقات بين كوريا الشمالية واليابان قد شهدت توتراً منذ عام 2013م بسبب استمرار الأولى في تجاربها النووية، ما رأته اليابان تهديداً لأمنها القومي؛ حيث كانت الصواريخ الكورية تسقط في محيط ميا بحر اليابان وهو الأمر الذي عدته اليابان استفزازاً خطيراً لها وهو ما دفعها لتعزيز قدراتها الدفاعية على طول سواحلها مع كوريا الشمالية، خاصة مع إعلان الأخيرة عن أن حالة الهدنة قد انتهت.[8] [9] من جهة أخرى فإن من أهم أسباب التوتر بين كوريا الشمالية واليابان حادثة اختطاف 13 مواطن ياباني من قبل كوريا الشمالية، ورغم الاعتذار الشفوي الذي قدمته كوريا الشمالية عام 2002م في زيارة لرئيس الوزراء الياباني لكوريا الشمالية، إلا أنها قدمت لاحقاً شهادات وفاة حوالي 8 أفراد منهم إلى الحكومة اليابانية مع إعادة الخمس أفراد الآخرين، إلا أن الحكومة اليابانية لم تعترف بتلك الشهادات واتهمت كوريا الشمالية بتزويرها؛ ما أدى إلى استمرار التوتر بين الدولتين ما يضيف سبباً آخر للتوتر.

من جهة أخرى كانت بعض وسائل الإعلام اليابانية قد تحدثت عن قمة ثنائية بين الدولتين في عام 2014م، إلا أن المحادثات قد تجمدت مع استمرار تعنت كوريا الشمالية ورفضها إحداث أي تقدم في قضية المواطنين اليابانيين، إلى جانب استمراها في إطلاق الصواريخ الباليستية على بحر اليابان، ما دفع مسئول في الخارجية اليابانية ليؤكد على أنه ليس بيد اليابان شيء في العلاقات بين البلدين إلا بعد القمة الثنائية المرتقبة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة في مايو الحالي.[10]

  • العلاقات بين كوريا الشمالية والصين:

على مدى عقود طويلة كانت الصين الأمة الوحيدة التي تقف بثبات مع كوريا الشمالية، وفي وجه أي تدخل عسكري من أي جهة في العالم، وتحديدا الولايات المتحدة

تتمتّع العلاقات الصينية- الكورية الشمالية بخصوصية شديدة نظرا للروابط التاريخية والأيديولوجية التي رافقت مرحلة التأسيس في البلدين. وتنعكس هذه الخصوصية حاليا في كون الصين الحليف الوحيد وربما الأوحد لهذه الدولة في العالم، وهي حالة قلّما شهدت العلاقات الدولية الحديثة مثيلا لها.

من وجهة نظر بيونغ يانغ، من الطبيعي أن تكون الصين القبلة التي ينظر إليها الكوريون الشماليون، فلولا أمواج المقاتلين التي دفعت بهم بكّين في خضم الحرب الكورية (1950-1953) لكنّا اليوم نتحدث عن تاريخ مختلف وجغرافيا مختلفة.

وتعتبر الصين حاليا المصدر الأساسي والرئيسي لتزويد كوريا الشمالية بما تحتاجه من الغذاء والطاقة. فمنذ التسعينيات، تساهم الصين وفقا لبعض التقارير بحوالي 90% من واردات كوريا الشمالية من الطاقة، وحوالي 80% من حاجاتها الاستهلاكية من البضائع وقرابة الـ 45% من الغذاء. ومن المفارقات في هذا المجال أنّ حجم التجارة بين البلدين وفقا لأرقام عام 2008 بلغ حوالي 2.79 مليار دولار يميل الميزان التجاري فيها لصالح بيونغ يانغ بواقع 1.25 مليار دولار وهو ما يفسّره البعض بأنه عملية تغطية تقوم الحكومة الصينية بموجبها بدعم اقتصاد حليفتها على اعتبار أنّه ليس باستطاعة الأخيرة أنّ تموّل عجزها بالاستدانة الخارجية ومؤخراً في عام 2015، استأثرت الصين بنحو 83%، أي 2083 مليون دولار، من الصادرات لكوريا الشمالية.

من وجهة النظر الصينية، فإن الموضوع لا يتعلق فقط بالتاريخ والجغرافيا والأيديولوجيا، بل يرتبط بالدرجة الأولى بالأمن القومي للبلاد. وتأخذ بكّين عند مقاربتها الاستراتيجية لوضع كوريا الشمالية عددا من المعطيات بعين الاعتبار، منها:

أن كوريا الشمالية تشكل من الناحية الجيوبوليتيكة منطقة عازلة لكونها تقع على حدود الصين في شمال شرقي البلاد وتفصل بينها وبين كوريا الجنوبية جغرافيا، ولكنها عمليا تفصل بينها وبين الاحتكاك المباشر مع الولايات المتحدة التي تحتفظ بحوالي 30 ألف جندي في كوريا الجنوبية. وبهذا المعنى، فان كوريا الشمالية ليست مجرد منطقة عازلة وإنما بمثابة احتياط عسكري يتيح للصين الاسترخاء وتقليص تواجدها العسكري على حدودها من هذه الجهة والتفرغ لمناطق أكثر أهمية. هذا إلى جانب مسألة الأمن القومي، تدعم الصين كوريا الشمالية لأنها تخشى أن يؤدي انهيارها إلى مضاعفات سلبية ليس أقلها مشكلة اللاجئين الذي سيتدفقون باتجاه الحدود الصينية، الأمر الذي يشكل على الدوام هاجسا للسلطات الصينية مخافة أن تفقد سيطرتها على المناطق التي تتدفق إليها جموع اللاجئين داخل الحدود الصينية. ولذلك تحرص الصين على الاستثمار داخل كوريا الشمالية وعلى تحسين الأوضاع في داخل البلاد منعا لانهيار النظام. أيضاً فإن الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية شيء ضروري بالنسبة لبكين التي ترى أنها ستكون أول من يتحمل تكاليف الحرب إلى جانب كوريا الجنوبية. ولأنّ الجانبين ليسا مستعدّين لتحمّل هذه التكاليف، فان الصين تفضّل أن يستمر الوضع على ما هو عليه لمدة غير قصيرة. من وجهه النظر الجيوسياسية تعتبر كوريا الشمالية (منطقة عازلة) لأي تدخل خارجي، كون الصين محاصرة بحلفاء الولايات المتحدة هذا السور الدائري الذي تم بناؤه في الماضي عقب الحرب العالمية الثانية مع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، بدءاً من كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، الفلبين وبذلك تحاول الصين دائما البحث عن حل سلمى وتلعب دور الوسيط بين الولايات المتحدة الامريكية وكوريا الشمالية مع الاستمرار في دعم كوريا الشمالية ودعمها لكي تحافظ على قوتها.

ثالثاً: الوضع الحالي (المصالحة بين الكوريتين):

بدأت مقدمات السلام بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية عندما الزعيم الشرفي لكوريا الشمالية وشقيقة زعيمها كيم جونغ أون افتتاح الأولمبياد الشتوية المقامة فى كوريا الجنوبية فى فبراير 2018م ودعت شقيقة كيم الرئيس الكوري الجنوبي مون-جيه-إن إلى زيارة بيونغ يانغ.

بالإضافة إلى إعلان كيم بأنه سيعلق إجراء التجارب النووية ورحبت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بهذه الخطوة الإيجابية.

تلي ذلك عقد قمة الكوريتين التاريخية فى 27 أبريل 2018 وتعهد زعيما كوريا الشمالية والجنوبية على العمل على تخليص شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية والسعى لتحويل الهدنة التي أنهت الحرب الكورية 1953م إلى معاهدة سلام وإنهاء حالة الصراع بين الدولتين. اتفقت البلدان على عدة نقاط اخرى:

  • نهاية الأنشطة المعادية بين البلدين
  • تغيير المنطقة المنزوعة السلاح التى تقسم البلاد إلى منطقة سلام
  • تخفيض الأسلحة فى المنطقة فى انتظار تخفيف التوتر العسكري
  • الدفع باتجاه محادثات مع الولايات المتحدة

ويعتبر كيم جونغ أون أول رئيس كورى تطأ قدماه أراضي كوريا الجنوبية بعد عبور خط الحدود العسكرية الذي قسم شبه الجزيرة الكورية إلى بلدين منذ نهاية الحرب الكورية وتمت القمة فى المنطقة المنزوعة السلاح بين البلدين. وكان لقاء الرئيسين الكوريين هو الثالث من نوعه بعد قمتين لزعيمي البلدين فى عامي 2000 ،2007.

تمهد قمة الكوريتين الطريق أمام كيم للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فى أواخر مايو أو مطلع يونيو فى قمة ستمثل أول لقاء من نوعه على الإطلاق بين زعيم كوريا الشمالية ورئيس أمريكي.

أثر المصالحة على الدول الإقليمية:

أثر المصالحة على الصين:                                                                  

        بالرغم من أن هناك تفاؤل دولي خاصة في قارة أسيا بلقاء القمة بين الكوريتين إلى أنه هناك تخوف صيني من التهميش؛ فالصين استبعدت من المحادثات الأمريكية الكورية الشمالية. فهي غير معتادة على أن تشاهد من على الهامش. وترى الصين أن بيونج يانغ تحاول أن تقلص اعتمادها على بكين في التجارة والأمن؛ فالصين كما أوضحنا هي أكبر حلفاء كوريا الشمالية منذ أن وقفت بجانبها في الحرب الكورية وهي مصدر النفط الأول بالنسبة لها وتعتمد عليها كوريا الشمالية في الغذاء والمعدات الصناعية بل 80% من اقتصاد كوريا الشمالية يعتمد على التجارة مع الصين.

وتسعى الصين لإعادة تأكيد نفسها في محادثات السلام التي تتحرك بسرعة مع الدولة الكورية المعزولة سابقا. وترى المصالحة بين كوريا الشمالية وخصومها يؤدى إلى تغيير جذري في بنية السلطة في المنطقة تاركة بكين في الخارج.

وبالرغم من أن المحادثات بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة تتلاءم مع مصلحة الصين في تحقيق الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، مما يخدم مصالحها وخططها الاقتصادية إلا إن بكين تشعر بالقلق تجاه وجود توازن استراتيجية إقليمي في غير صالحها.

أثر المصالحة على اليابان:

من جهة أخرى رحبت اليابان بالمصالحة بين الكوريتين وأعلنت رغبتها في إتلاف جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل في شبه الجزيرة الكورية بشكل كامل وموثوق لا رجعة فيه. وأكدت استعدادها لتطبيع العلاقات بعد حل قضية المواطنين اليابانيين المحتجزين في كوريا الشمالية.

رؤية إسرائيل للمصالحة:

أما إسرائيل فقد رحبت هي الأخرى بالقمة بين الكوريتين وصرحت بأن تعهد زعيمي الكوريتين التاريخي بالعمل على إخلاء شبة الجزيرة من الأسلحة النووية يجب أن يعطى الرئيس الأمريكي دفعة أقوى لإعادة التفاوض بشأن الاتفاق الذي يقلص برنامج إيران النووي. وكان الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه في عام 2015م في عهد الرئيس الأمريكي أوباما يواجه معارضة إسرائيلية تهدده بخطر الانهيار، عندما قرر ترامب فرض عقوبات اقتصادية على إيران وعدد بالانسحاب من الاتفاق إذا لم يتم إصلاح العيوب به. ورأت إسرائيل أن إنهاء البرنامج النووي الكوري سيكون له تأثير كبير على الشرق الأوسط سيقلل مخاطر حدوث سباق تسلح نزوى واعتبر المعركة ضد البرنامج النووي الكوري الشمالي هي معركة ضد البرنامج النووي الإيراني.[11] [12] [13] [14] [15]

وفي الختام يتضح لنا أن هناك تفاؤلاً دولياً بالمصالحة بين الكوريتين وتوقع أن تسهم القمة المرتقبة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في إحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية وهو الأمر الذي تدفع فيه كل الفواعل الدولية وخاصة إسرائيل حتى تتفرغ الولايات المتحدة لحل أزمة البرنامج النووي الإيراني بما يحقق أمن إسرائيل.

المصادر:-

[1] "كوريا 1950- 1953: الحرب التي فتكت بـ 5 ملايين إنسان"، BBC عربي، إبريل 2014م، http://www.bbc.com/arabic/world-39628599 ، تمت زيارته في 05/05/2018.

[2]  "الحرب الكورية"، موسوعة المعرفة، https://www.marefa.org/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9 ، تمت زيارته في 05/05/2018.

[3] "ما هي جذور التوتر بين الكوريتين الشمالية والجنوبية؟"، فرانس 24، نوفمبر 2010م، http://www.france24.com/ar/20101124-north-and-south-korea-military-conflict-politics ، تمت زيارته في 05/05/2018.

[4]  ستار جبار علاوي، الارض المحرمة، كوريا الشمالية - تفاعلاتها الداخلية والخارجية، بغداد، 2016.

[5] "الهند تبلغ أمريكا نيتها الإبقاء على سفارتها في كوريا الشمالية"، إرم نيوز، أكتوبر 2017م، https://www.eremnews.com/news/world/1041133 ، تمت زيارته في 05/05/2018.

 

[6] "مارق في المتجر النووي"، وكالة الأنباء الروسية RT، أكتوبر 2017،

https://arabic.rt.com/press/904334-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AC%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A/

[7] "الهند وكوريا الشمالية: «العمل شرقاً»!"، صحيفة الاتحاد، سبتمبر 2015،

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=86425

 ، تمت زيارته في 05/05/2018.

[8]  “Pyongyang a tiré samedi trois missiles à courte portée depuis la côte est du pays, selon l'agence sud-coréenne Yonhap”, Sputnik, May 2013, https://fr.sputniknews.com/actualite/201305181022603286-la-coree-du-nord-a-lance-trois-missiles-a-courte/  Retrieved: 05/05/2018.

[9]  “N. Korea launches three short-range guided missiles: defense ministry”, Yonhap News, May 2013, http://english.yonhapnews.co.kr/national/2013/05/18/25/0301000000AEN20130518002500315F.HTML , Retrieved: 05/05/2018.

[10]  نتاليا عبد الله، "صحيفة: قمة ثنائية بين زعيمي اليابان وكوريا الشمالية"، وكالة الأنباء الروسية RT، مارس 2018م، https://arabic.rt.com/world/935134- / ، تمت زيارته في 05/05/2018.

 

[11]" قمة الكوريتين التاريخية: سول وبيونغ يانغ تتعهدان بالتخلص من الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية"، BBC عربي، إبريل 2018م، http://www.bbc.com/arabic/world-43916410 ، تمت زيارته في 05/05/2018.

[12]  "ماذا يستفيد العالم من الصلح بين الكوريتين"، Sputnik عربي، فبراير 2018م، https://arabic.sputniknews.com/world/201802141030019101- / ، تمت زيارته في 05/05/2018.

[13]  ليلى كو، "هل ستهمش الصين بعد المصالحة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة"، الميادين، فبراير 2018م، http://www.almayadeen.net/press/foreignpress/875228/ ، تمت زيارته في 05/05/2018.

[14] "إسرائيل: نزع السلاح النووي فى كوريا يساعد على مواجهة البرنامج النووي الإيراني"، رويترز، إبريل 2018م، https://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN1HZ015 ، تمت زيارته في 05/05/2018.

[15]  "اليابان تتوخى الحذر حيال قمة زعيم كوريا الشمالية ورئيس الوزراء الياباني"، مصراوي، إبريل 2018م، http://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2018/4/29/1335871/ ، تمت زيارته في 05/05/2018.